وطن الإعلامية – السبت 22-3-2025م:
● لم يكن إعلان “الصومال” ترحيبه باستعادة القوات المسلحة السودانية للقصر الجمهوري مجرد بيان دبلوماسي روتيني، بل حمل في طياته دلالات سياسية وأبعادًا استراتيجية عميقة تتجاوز الإطار التقليدي للعلاقات الثنائية. فهذه ليست المرة الأولى التي تبادر فيها الصومال إلى الترحيب بإنجاز عسكري للقوات المُسلحة السُودانية، إذ سبقت أن فعلت ذلك عند تحرير القيادة العامة في الخرطوم.
● الرمزية الاستثنائية للقصر الجمهوري تجعل تحريره مختلفاً عن أي تحرير آخر لمنطقة أو مدينة، فالقصر هو رمز السيادة الوطنية والاستقلال، واستعادته تحمل معنى استعادة الدولة لمركز سلطتها الشرعية. وبالتالي، فإن المواقف الدولية تجاه هذا الحدث ليست مجرد تعبيرات دبلوماسية، بل تعكس بوضوح طبيعة الاصطفافات الإقليمية والدولية تجاه الأزمة السودانية.
● الترحيب باستعادة القصر الجمهوري ليس موقفًا يمكن أن يُفسَّر بالحياد أو الدبلوماسية الرمادية . على العكس، فإن دولة مثل الصومال، التي سارعت بالترحيب بهذا الحدث، إنما ترسل رسالة واضحة لا تحتمل التأويل: دعم واضح لسيادة السودان، وتأكيد على الشرعية الوطنية، وإقرار بشرعية القوات المسلحة في قيادة المرحلة الحالية.
■ الصومال و الموقف المتقدم في دعم السودان ■
● يأتي موقف الصومال في إطار نمط متكرر من الدعم السياسي للسودان خلال هذه الأزمة. فعندما تمكنت القوات المسلحة السودانية من استعادة القيادة العامة بعد معارك طويلة، كان الصومال أول دولة عربية تبادر ببيان رسمي يرحب بهذا الإنجاز. واليوم، يعيد الصومال الموقف نفسه بعد تحرير القصر الجمهوري، مما يعكس ثباته في دعمه للسودان بعيدًا عن الحسابات الرمادية التي تتبناها بعض الدول الأخرى.
■ موانع الترحيب: تقاطعات المصالح والمواقف الرمادية ■
●عدم ترحيب بعض الدول بتحرير القصر الجمهوري لا يعني بالضرورة موقفًا معاديًا للسودان، لكنه يكشف عن وجود عوائق تمنعها من اتخاذ موقف واضح. يمكن تلخيص هذه العوائق في ثلاثة عوامل رئيسية:
■1/ تقاطعات المصالح الإقليمية والدولية :فبعض الدول ترتبط بعلاقات وثيقة مع الأطراف المناوئة للقوات المسلحة السودانية، سواء بشكل مباشر أو عبر وسطاء إقليميين، مما يجعلها تتجنب أي موقف قد يُفسَّر على أنه انحياز واضح للسودان الرسمي.
دول أخرى لها مصالح استراتيجية، تتطلب الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، وبالتالي ترى أن إعلان الترحيب قد يضر بمصالحها.
■ 2/ المواقف الرمادية وسياسة الانتظار
هناك دول تتبع نهج “الانتظار والترقب”، حيث تفضل عدم الانحياز لأي طرف حتى تتضح موازين القوى بشكل نهائي.
بعض الأنظمة تخشى أن يؤدي تأييدها العلني إلى استعداء قوى دولية أو إقليمية لها نفوذ في المشهد السوداني، لذا تلتزم الصمت أو تصدر بيانات غامضة لا تحمل تأييدًا واضحًا.
■ 3/ مراعاة العلاقات مع الأطراف المناوئة للسودان
بعض الدول لها تحالفات قائمة مع جهات داخل السودان تدعمها لأسباب سياسية أو اقتصادية، وتخشى أن يؤدي إعلان الترحيب إلى الإضرار بتلك العلاقات.
هناك دول تتجنب اتخاذ مواقف قد تؤثر على ملفات أخرى مرتبطة بالسودان، مثل قضايا الحدود أو التعاون الأمني أو المصالح الاقتصادية.
■ ما يجب القيام به تجاه الصومال ■
1/ إعلان الصومال السريع عن ترحيبه يعد مكسبًا دبلوماسيًا يجب البناء عليه وتعزيزه. يمكن اتخاذ عدة خطوات لتوظيف هذا الموقف لصالح السودان:
إصدار بيان يُثني على موقف الصومال ويؤكد على عمق العلاقات الثنائية، مما يعزز مكانة الصومال دبلوماسيًا ويدفع دولًا أخرى للتفكير في اتخاذ موقف مماثل.
التواصل مع الحكومة الصومالية عبر القنوات الدبلوماسية لشكرها على موقفها، بما يفتح المجال لتعزيز التعاون بين البلدين.
■ 2/إطلاق مبادرات تعاون مشتركة:
تعزيز التعاون الأمني والاقتصادي مع الصومال، خاصة في الملفات التي تهم البلدين، مثل مكافحة الإرهاب، وتأمين البحر الأحمر، والتجارة البينية.
دعوة الصومال ليكون جزءًا من أي تحركات دبلوماسية إقليمية لدعم السودان، بما في ذلك المبادرات الإفريقية والعربية.
■ 3/ وجيه رسائل مبطنة لدول الإقليم
إبراز موقف الصومال في الإعلام السوداني والعربي باعتباره نموذجًا للدول التي تتخذ مواقف واضحة دون حسابات رمادية.
الإشارة بشكل غير مباشر إلى أن موقف الصومال يُقابله صمت غير مبرر من بعض الدول الإقليمية، مما يضعها في موقف محرج أمام الرأي العام.
استخدام الموقف الصومالي في المحافل الدولية كدليل على أن هناك دولًا تدعم الشرعية السودانية دون تردد، مما قد يدفع دولًا أخرى إلى إعادة تقييم موقفها.
■ رسائل ضمنية للدول المترددة ■
● الترحيب بتحرير القصر الجمهوري لا يتعلق بموقف سياسي، بل هو تأكيد لمبدأ سيادة الدول واحترام مؤسساتها، وأي دولة تتردد في تأييد ذلك تضع نفسها في خانة المواقف غير الواضحة.
● السودان يمضي نحو تثبيت سلطته واستعادة سيادته ، والدول التي تتأخر في اتخاذ موقف داعم قد تجد نفسها خارج الحسابات المستقبلية.
● *الصومال نموذج يُحتذى* ، ويمكن استخدامه كمعيار للمواقف الصريحة والواضحة، مما يشكل ضغطًا معنويًا على الدول التي لم تعلن عن موقفها حتى الآن.
■ خلاصـة القـول ومنتهـاه ■
● الترحيب بتحرير القصر الجمهوري هو اختبار حقيقي لنوايا الدول الإقليمية. الصومال قدم موقفًا واضحًا لا يحتمل التأويل، في حين اختارت دول أخرى البقاء في المنطقة الرمادية. المطلوب الآن ليس فقط تعزيز العلاقات مع الدول التي بادرت بالترحيب، ولكن أيضًا استغلال هذه المواقف لإعادة رسم التوازنات الإقليمية والدفع نحو اعتراف أوسع بشرعية الدولة السودانية ومؤسساتها.