وطن الإعلامية – الثلاثاء 25-3-2025م:
■ في سياق التصريحات السيادية المتتابعة التي أطلقها كبار المسؤولين السودانيين مؤخرًا، والتي رسمت ملامح سياسة جديدة أكثر صلابة في التعامل مع التحديات الداخلية والخارجية، جاء تصريح وزير المالية جبريل إبراهيم ليضيف بعدًا اقتصاديًا لهذه الاستراتيجية. فقد سبق أن تناولت تصريحات قيادات عسكرية وسياسية، مثل مساعد القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ياسر العطا ووزير الخارجية د. علي يوسف الشريف، قضايا تتعلق بالأمن القومي والسيادة السياسية والعسكرية، وذهببنا الي احتمالية أن تتبعها إجراءات اقتصادية سيادية تعيد رسم العلاقات الاقتصادية وفقًا لمصالح السودان الوطنية.
واليوم، نشهد هذا التحول الفعلي، حيث أعلنت الحكومة السودانية توجهها نحو وقف تصدير الذهب إلى الإمارات، في خطوة تعد من أكثر الإجراءات الاقتصادية السيادية تأثيرًا خلال المرحلة الراهنة. هذا التصريح يفتح الباب أمام تغييرات جوهرية في السياسة الاقتصادية، ويضع السودان في مواجهة مباشرة مع أحد أكبر اللاعبين الاقتصاديين المتورطين في دعم المليشيا المتمردة.
■ لماذا الإمارات؟ ولماذا الذهب؟ ■
لطالما كانت الإمارات الوجهة الأولى للذهب السوداني، حيث تشير التقارير إلى أن النسبة الأكبر من إنتاج السودان من الذهب كانت تُهرب إليها بطرق رسمية وغير رسمية، مما جعلها المستفيد الأول من هذه الثروة. ومع اندلاع الحرب، تحول الذهب إلى شريان حياة لمليشيا الدعم السريع، التي استخدمته لتمويل عملياتها العسكرية وشراء السلاح.
قرار السودان بوقف تصدير الذهب إليها هو خطوة استراتيجية لضرب المنظومة الاقتصادية التي تدعم التمرد، ومنع تدفق العائدات إلى أيادٍ تستخدمها ضد الدولة. ليس هذا فحسب، بل إن القرار يعكس إرادة سياسية واقتصادية جديدة تهدف إلى كسر الهيمنة الإماراتية على أحد أهم موارد السودان الطبيعية.
■ ما البدائل؟ السودان يعيد رسم علاقاته الاقتصادية ■
لم يكن قرار إيقاف التصدير خطوة غير محسوبة، بل جاء ضمن خطة واضحة لإعادة توجيه صادرات الذهب نحو أسواق بديلة تشمل قطر، تركيا، مصر، والسعودية. هذه الأسواق ليست مجرد بدائل تجارية، بل تمثل تحالفات استراتيجية يمكن أن تسهم في خلق نموذج اقتصادي أكثر استقلالية، بعيدًا عن النفوذ الإماراتي الذي استغل الذهب السوداني لسنوات طويلة.
يأتي هذا التوجه في سياق أوسع لإعادة صياغة التحالفات الاقتصادية السودانية، بحيث يكون الاقتصاد أداة لتعزيز الاستقلال السياسي، وليس وسيلة لابتزاز الدولة والتأثير على قراراتها السيادية.
■ رسائل سياسية واقتصادية واضحة ♤
لا يمكن قراءة هذا القرار بمعزل عن التطورات الأخرى التي يشهدها السودان. فبالتزامن مع هذا الإعلان، أكد وزير المالية أن السودان لن يتأثر بوقف الدعم الأمريكي، مشيرًا إلى أن البلاد لا تعتمد على مشروعات ممولة أمريكيًا، باستثناء بعض البرامج الأممية. هذه الرسالة تعزز الخطاب السيادي العام الذي بدأ يفرض نفسه، والقائم على تحقيق الاستقلال الاقتصادي، وتقليل الاعتماد على القوى التي تحاول فرض أجندتها على السودان.
كذلك، كشف الوزير عن امتلاك مليشيا الدعم السريع مناجم ذهب لا تزال تعمل حتى اليوم، رغم تعرضها للقصف الجوي أكثر من مرة، وهو تصريح يفتح الباب أمام أسئلة أكبر حول حجم الفساد والتواطؤ الذي سمح لهذه المليشيا بالسيطرة على ثروات البلاد لسنوات طويلة.
■ ماذا بعد؟ هل نشهد إجراءات سيادية جديدة ؟ ■
إذا كان السودان قد بدأ بإعادة صياغة علاقاته الدبلوماسية وفقًا لمعادلة “من معنا ومن ضدنا”، فإننا اليوم نشهد تحولًا اقتصاديًا يضع المصالح الوطنية فوق كل اعتبار. وقف تصدير الذهب للإمارات قد يكون البداية فقط، ومن المتوقع أن تتبعه إجراءات أخرى تستهدف إعادة هيكلة الاقتصاد، وتحقيق أكبر قدر من الاستفادة من موارد الدولة دون أن تتحول إلى أدوات بيد الأطراف الخارجية.
على المدى القصير، سيتعين على السودان تأمين قنوات تصدير مستقرة مع الأسواق البديلة، وهو تحدٍ قد يتطلب مرونة دبلوماسية واقتصادية. أما على المدى الطويل، فإن هذا القرار قد يكون اللبنة الأولى لإنهاء هيمنة بعض القوى الإقليمية على الاقتصاد السوداني، وفتح المجال أمام نموذج اقتصادي جديد، يقوم على الشراكة لا على الاستغلال.
■ خلاصة القول ومنتهاه ■
ما يحدث اليوم ليس مجرد إجراءات اقتصادية، بل تحولات استراتيجية تعيد تعريف مفهوم السيادة السودانية، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي. السودان لم يعد ذلك الطرف الذي ينتظر الحلول المفروضة عليه، بل أصبح يحدد بنفسه من يتعامل معه، وكيف، وعلى أي أسس.
وقف تصدير الذهب إلى الإمارات هو أول اختبار حقيقي لهذه السياسة الجديدة. نجاحه يعني أن السودان قادر على حماية موارده من النهب والاستغلال، ووضع اقتصاده في مسار يخدم مصالحه الوطنية، وليس مصالح القوى الإقليمية التي استفادت من ضعفه لسنوات طويلة.
السؤال الآن: هل تكون هذه الخطوة مقدمة لقرارات أخرى تعيد رسم المشهد الاقتصادي بالكامل؟ الأيام القادمة ستكشف الكثير.