وطن الإعلامية – السبت 29-3-2025م:
ميراث غني ومتميز من العلاقات الطيبة وصور التعاون الإيجابي بين الخرطوم والرياض تراكم على مر تاريخ البلدين، وعلاقات طيبة متجذرة وراسخة ملؤها الحب والإحترام المتبادل جمعت بين الشعبين السوداني والسعودي، قوامها أخوة الدين والعروبة والتاريخ المشترك، وتجد أصلها ومنبعها في تلك المحبة التي وقرت في صدور السودانيين لأرض الحرمين الشريفين في مكة والمدينة، هذه المحبة التي جعلت أفئدة السودانيين تهوي إليهما، وإلى شعب المملكة الذي بادلهم حباََ بحب وخصهم بمكانة خاصة دون بقية الشعوب الأخرى وأودع فيهم ثقته لخصال حميدة تتوافق مع الموروث الثقافي لشعب المملكة إلتمسها فيهم.
وبالأمس وضمن زيارته للمملكة العربية السعودية بعد يوم من إعلانه تحرير الخرطوم إلتقى الرئيس البرهان ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وبحسب وكالة السودان للأنباء فإن الرئيس البرهان أطلع ولي العهد السعودي على تطورات الأوضاع في السودان خاصة بعد الانتصارات الأخيرة التي حققها الجيش والقوات المساندة له في معركة الكرامة ضد ميليشيا الدعم السريع الإرهابية.
ومن واقع ما تم من نقاش بين الجانبين، وما تم الإعلان عنه، فإن الزيارة انصبت بشكل أساسي حول العلاقات الثنائية وسبل تطويرها وترقيتها وتقويتها في مختلف المجالات.
وتمخض عن ذلك إتفاق الجانبين على إنشاء مجلس تنسيق مشترك يناط به تنسيق جهود البلدين بما يؤدي إلى تعزيز العلاقات الثنائية وترقيتها.
الواقع أن السعودية ظلت مهتمة ومشغولة بملف الحرب في السودان منذ بدايتها قبل عامين، حيث تشاركت الرياض مع واشنطون رعاية مفاوضات جرت في مدينة جدة في السادس من مايو 2023، بعد أقل من شهر من اندلاع الحرب بين ممثلين للجيش السوداني وممثلين لميليشيا الدعم السريع قضت باتفاق يلزم الميليشيا بالخروج من منازل المواطنين والأعيان المدنية والتجمع في نقاط محددة، لكن الميليشيا لم تلتزم بتنفيذ الإتفاق بل توسعت في إحتلال المزيد من الأعيان المدنية والأعمال العدائية.
وقد أصبح هذا الإتفاق الآن من الماضي بعد التطورات الميدانية والانتصارات المتتالية للجيش على الميليشيا الإرهابية في العديد من المحاور بما أفضى إلى إنهيارها وتمكن الجيش من سحقها وطردها بالقوة من العاصمة وإعلان الخرطوم حرة.
وينبع الإهتمام السعودي بمجريات الأوضاع بالسودان عقب هذه التطورات الميدانية من حرص المملكة على استقرار السودان والمساعدة في دفع جهود السودان لاستعادة أمنه واستقراره وتطبيع الحياة فيه ومعالجة تداعيات وتبعات الحرب.
الشعب السوداني ينظر بعين الإهتمام لهذه الزيارة، خاصة ولعلاقات السودان مع السعودية عامة ويتطلع إلى أن يثمر هذا الحراك الذي تم تدشينه بالأمس إلى علاقات متميزة أساسها التعاون والإحترام المتبادل ورعاية مصالح البلدين ، بما يعود بالخير والنفع للشعبين الشقيقين.
يتطلع الشعب السوداني إلى دور إيجابي وخلاق تقوم به الرياض بما لديها من ثقل ووزن نوعي داخل البيت العربي، وفي إطار العالم الإسلامي، وفي الساحة الدولية، تكون محصلته إستعادة الدور الريادي للسودان في محيطه الإقليمي والعربي والإسلامي، لأن إستعادة هذا الدور يعطي قوة دفع مطلوبة للعمل العربي والإسلامي المشترك والذي تمثل السعودية رأس الرمح فيه.
الشعب السوداني لا يريد أن ينحصر دور هذا الحراك الذي بدأ على صعيد العلاقات الثنائية في دائرة (إطفاء الحريق) ولا أن يدرج في إطار (المتحرك) أو التكتيكي ، بل يجب أن يكون ضمن (الثابت) أو الاستراتيجي، ولعل الإتفاق الذي تم على تشكيل مجلس تنسيق مشترك بين البلدين يشير إلى توفر نية لإستدامة واستمرارية هذا الحراك واشتماله على كافة القضايا التي تهم البلدين و في مختلف المجالات.
صحيح أن الحرب فرضت وجودها على صدارة إهتمام قيادة البلدين بحيث لا يمكن تجاوزها في أي مناقشات تجري على أي مستوى، لكن ينبغي أن تكون مدخلاََ نحو ترقية وتطوير العمل الثنائي وليس منتهى مطافه.
أخيراً فإنه لا بد من الأخذ في الحسبان والاعتبار تلك الحالة الفريدة من التلاحم وتطابق الإرادة والتوافق التام في الأهداف والتوجهات ما بين الشعب السوداني وقيادته والتي مكنت الدولة السودانية من التغلب على تلك الهجمة الشرسة التي استهدفت وجودها ووحدة أراضيها والتي كان رأس الرمح فيها وأداتها الرئيسية ميليشيا الدعم السريع الإرهابية.
نعم لا بد من مراعاة هذه الحالة الفريدة التي أجمع فيها الشعب السوداني على ضرورة وأهمية استكمال القضاء على ميليشيا الدعم السريع واستئصال شأفتها، وألا يكون لها ولكل من تحالف معها من الكيانات السياسية أي دور مستقبلي في الحياة السياسية في سودان ما بعد الحرب.
الرئيس البرهان سبق وأن قطع في هذا الأمر بقول فصل وهو ألا دور قادم للمتمردين وداعميهم من السياسيين، وأن علاقات السودان مع الخارج ستقوم وفقاً وتبعاََ لمواقف الدول والكيانات الدولية من الحرب في السودان.
والسعودية كان وما يزال موقفها من الحرب في السودان واضح يقوم على دعم الشرعية فيه، ودعم وحدته واستقراره وأمنه وحفظ حقه في إدارة شأنه الداخلي بما يحقق هذه القيم الطبيعية، ولهذا السبب لم تتعرض علاقات البلدين لأي هزة أو إضطراب أو احتقان طوال فترة الحرب بل هاهي تكلل بهذه الخطوة الإيجابية التي أرى أنها جاءت في التوقيت المناسب وفي الإتجاه الصحيح.